السعيد شنوقة

170

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

واختلفوا في كلام الله « 1 » هل هو جسم أو لا ؟ وفي خلقه على ستة فرق : الأولى قالت : كلام الله جسم ومخلوق وبأنه لا شيء إلا جسم . الثانية رأت كلام الخلق عرضا ، وهو حركة لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة ، وبأن كلام الله عز وجل جسم ، وذلك الجسم صوت منقطع مؤلف مسموع وهو فعل الله وخلقه . ذهب إلى هذا أبو الهذيل العلاف وأتباعه . غير أن النظام منع أن يكون كلام الله في أماكن كثيرة أو في مكانين في الوقت نفسه ، وإنما هو في المكان الذي خلق فيه . والثالثة رأت القرآن الكريم مخلوقا لله ، عرضا ، وبأنه يوجد في أماكن كثيرة في الوقت الواحد إذا تلي يوجد مع التلاوة ، وإن كتبه كاتب وجد مع كتابته وكذا إن حفظه ، فهو يوجد في الأماكن بالتلاوة والحفظ والكتابة ، ولا يصح عليه الانتقال والزوال . والرابعة قالت : كلام الله عرض ، مخلوق ومنعوا وجوده في مكانين في الوقت الواحد ورأت استحالة أن ينتقل كلام الله تعالى من المكان الذي خلقه الله تعالى فيه أو يزول منه ويوجد في غيره . الخامسة زعمت أن القرآن عرض ولما كان عرضا فإنه من المحال أن يكون الله تعالى فعله في الحقيقة لمنعهم أن تكون الأعراض فعلا لله سبحانه ، وذهبوا إلى أن القرآن فعل للمكان الذي يسمع منه وحيثما سمع فهو فعل للمحل

--> ( 1 ) اختلف الناس في كلام الله على تسعة أقوال : الأول : أن كلام الله ما يفيض على النفوس من معان إما من العقل الفعال أو من غيره . وهو قول الصابئة والفلاسفة . الثاني : أنه مخلوق ، خلقه الله تعالى منفصلا عنه . وهو قول المعتزلة . الثالث : أنه معنى قائم بالذات الإلهية ، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار . إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن ، وإن عبر عنه بالعبرية كان التوراة . وهو قول ابن كلاب ، ومن وافقه كالأشعري . الرابع : أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل . قال بهذا بعض علماء الكلام والمحدّثة . الخامس : حروف وأصوات لكن الله عز وجل تكلم بها بعد أن لم يكن متكلما . وهذا قول الكرّامية وغيرهم . السادس : أن كلامه تعالى ما يرجع إلى ما يحدثه من علم وإرادة ، القائم بذاته . ويميل إلى هذا الرازي . السابع : أن كلامه عز وجل يتضمن معنا قائما بالذات هو ما خلقه فيغيره . وهذا قول أبي منصور الماتريدي . الثامن : أن كلام الله مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات الإلهية وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات . وهو قول أبي المعالي إمام الحرمين . التاسع : أنه سبحانه لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء ، وهو يتكلم به بصوت يسمع ، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما . وهذا رأي أئمة الحديث وأهل السنة . انظر ابن تيمية ، الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح ، ج 4 ، ص 339 ، وكذا شرح العقيدة الطحاوية ، ج 1 ، ص 179 - 180 .